ابن عجيبة

460

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

حملا على الجمع ، وترتيب الأمر بالتقوى على هذه القصة لما فيها من الدلالة على القدرة القاهرة التي من حقها أن تخشى والنعمة الباهرة التي توجب طاعة مولاها . ه . وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ أي : يسأل بعضكم بعضا فيقول : أسألك بالله العظيم ، وَالْأَرْحامَ أي : واتقوا الأرحام فلا تقطعوها ، فمن قطعها قطعه الله ، ومن وصلها وصله اللّه ، كما في الحديث . أو تساءلون به وبالأرحام ، فيقول بعضكم لبعض : أسألك بالرحم التي بيني وبينك ، أو بالقرابة التي بيني وبينك . ثم هددهم على ترك ما أمروا به فقال : إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً حافظا مطلعا شهيدا عليكم في كل حال . الإشارة : درجهم في آخر السورة في مدارج السلوك حتى زجّهم في حضرة ملك الملوك ، وأمرهم أن يتقوا ما يخرجهم عن مشاهدة ظلمة أنوار الربوبية ، ثم دلاهم في أول السورة إلى التنزل لآداب العبودية بشهود آثار القدرة الإلهية ، في النشأة الأولية ، ليعلّمهم الجمع بين آداب المراقبة ودوام المشاهدة ، أو بين الفناء والبقاء . وقد تكلم ابن جزى هنا على أحكام المراقبة ، فقال : إذا تحقق العبد بهذه الآية وأمثالها ، استفاد مقام المراقبة ، وهو مقام شريف أصله علم وحال ، ثم يثمر حالين . أما العلم : فهو معرفة العبد بأن الله مطلع عليه ، ناظر إليه في جميع أعماله ، ويسمع جميع أقواله ، ويعلم كل ما يخطر على باله . وأما الحال : فهو ملازمة هذا العلم بالقلب ، بحيث يغلب عليه ولا يغفل عنه . ولا يكفى العلم دون هذه الحال ، فإذا حصل العلم والحال كانت ثمرتهما عند أصحاب اليمين : الحياء من الله ، وهو يوجب بالضرورة ترك المعاصي والجد في الطاعات ، وكانت ثمرتهما عند المقربين : المشاهدة ، التي توجب التعظيم والإجلال لذي الجلال . وإلى هاتين الثمرتين أشار الرسول صلّى اللّه عليه وسلم بقوله : « أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه ، فإنه يراك » ، فقوله : « أن تعبد الله كأنك تراه » إشارة إلى الثمرة الثانية ، وهي الموجبة للتعظيم ، كمن يشاهد ملكا عظيما فإنه يعظمه إذ ذاك بالضرورة ، وقوله : « فإن لم تكن تراه فإنه يراك » إشارة إلى الثمرة الأولى ، ومعناه : إن لم تكن من أهل المشاهدة - التي هي مقام المقربين - فاعلم أنه يراك ، فكن من أهل الحياء الذي هو مقام أصحاب اليمين ، فلما فسر الإحسان أول مرة بالمقام الأعلى ، ورأى أن كثيرا من الناس قد يعجزون عنه ، تنزل منه إلى المقام الآخر . واعلم أن المراقبة لا تستقيم حتى تتقدم قبلها المشارطة والمرابطة ، ويتأخر عنها المحاسبة والمعاتبة ، فأما المشارطة فهي اشتراط العبد على نفسه التزام الطاعة ، وترك المعاصي ، وأما المرابطة فهي معاهدة العبد لربه على ذلك ، ثم بعد المشارطة والمرابطة في أول الأمر تكون المراقبة . . . إلخ .